السيد كمال الحيدري

39

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يمكن أن نعطى تصوّراً عامّاً لمواقف الفرقاء الثلاثة من خلال تمهيد بسيط ؛ حيث يلحظ أنّ الفريق الأوّل اختار النظر إلى الأفعال التي تصدر من الإنسان على أنّها فعل الله حقيقة ، فأنكر دور الإنسان وآمن بالجبر . وهؤلاء هم الأشاعرة الذين لم تنقذهم نظرية الكسب التي أرادوا من خلالها تخفيف جبريّتهم ، بينما ذهب الفريق الثاني إلى أنّ هذه الأفعال هي فعل الإنسان مباشرة وعلى نحو الاستقلال . وهذه هي نظرية التفويض التي اختارها المعتزلة في مقابل الجبر الأشعري . ثمّ توسّطت بين النظريتين ثالثة أنكرت الجبر والتفويض معاً وقالت فيما بينهما . وهذه هي نظرية الأمر بين الأمرين التي يتبنّاها الشيعة الإمامية ويدافعون عنها تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام ، ويعدّونها هي المنسجمة مع توحيد الخالقية دون النظريتين السابقتين . على هذا الأساس نحن فعلًا بإزاء ثلاثة اتجاهات متميّزة بالمعنى المنهجي لمصطلح الاتجاه ، الذي يعنى غلبة مجموعة الأفكار والآراء والنظرات التي تشيع في عمل فكرىّ بصورة أوضح من غيرها ، وتكون مركّبة في إطار نسيج نظرىّ وفكرىّ عامّ يميّزها عمّا سواها . على هذا سنلحظ في التفصيل : أنّ الموقف الثالث الذي تتبنّاه الشيعة الإماميّة من خلال نظرية الأمر بين الأمرين ، ليس تلفيقاً ساذجاً بين النظريتين الأشعرية والاعتزالية ، وإنّما نظرية مستقلّة لها أصولها ومرتكزاتها التي تقف عليها ، وبناؤها العلوىّ الذي يميّزها عن غيرها . الاتجاه الأوّل : نظرية الجبر يمكن عرض نظرية الجبر والتعرّف على محتوياتها ولوازمها وأبرز ما يساق لها من أدلّة ، من خلال العناوين التالية :